المقريزي
18
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
الأحساء التي هي بلادهم جماعة وتأخّر عدّة ، وسار هفتكين من عكّا إلى طبريّة وقد علم بمسير القرامطة وتأخّر بعضهم ، فاجتمع بهم في طبرية واستعدّ للقاء جوهر ، وجمع الأقوات من بلاد حوران والثنية ، وأدخلها إلى دمشق وسار إليها ، فتحصن بها ، ونزل جوهر على ظاهر دمشق لثمان بقين من ذي القعدة فبنى على معسكره سورا ، وحفر خندقا عظيما ، وجعل له أبوابا ، وجمع هفتكين الناس للقتال . وكان قد بقي بعد ابن الماورد رجل يعرف بقسّام التراب ، وصار في عدّة وافرة من الدعّار ، فأعانه هفتكين وقوّاه وأمدّه بالسلاح وغيره ، ووقعت بينهم وبين جوهر حروب عظيمة طويلة إلى يوم الحادي عشر من ربيع الأوّل سنة ستّ وستين وثلاثمائة ، فاختلّ أمر هفتكين وهمّ بالفرار ، ثمّ إنه استظهر ووردت الأخبار بقدوم الحسن بن أحمد القرمطيّ إلى دمشق ، فطلب جوهر الصلح « 1 » على أن يرحل عن دمشق من غير أن يتبعه أحد ، وذلك أنه رأى أمواله قد قلّت وهلك كثير ممّا كان في عسكره حتّى صار أكثر عسكره رجّالة وأعوزهم العلف ، وخشي قدوم القرامطة ، فأجابه هفتكين ، وقد عظم فرحه واشتدّ سروره ، فرحل في ثالث جمادى الأولى وجدّ في المسير وقد قرب القرامطة ؛ فأناخ بطبريّة ، فبلغ ذلك القرمطي فقصده ، وقد سار عنها إلى الرملة فبعث إليه بسرية كانت لها مع جوهر وقعة قتل فيها جماعة من العرب ، وأدركه القرمطي ، وسار في أثره هفتكين فمات الحسن بن أحمد القرمطي بالرملة ، وقام من بعده بأمر القرامطة ابن عمّه جعفر ، ففسد ما بينه وبين هفتكين ، ورجع عن الرملة إلى الأحساء ، وناصب هفتكين القتال ، وألح فيه على جوهر حتّى انهزم عنه وسار إلى عسقلان وقد غنم هفتكين ممّا كان معه شيئا يجلّ عن الوصف ، ونزل على البلد محاصرا لها . وبلغ ذلك العزيز ، فاستعدّ للمسير إلى بلاد الشام ، فلما طال الأمر على جوهر راسل هفتكين حتّى يقرّر الصلح على مال يحمله إليه وأن يخرج من تحت سيف هفتكين ، فعلق سيفه على باب عسقلان ، وخرج جوهر ومن معه من تحته وساروا إلى القاهرة ، فوجد العزيز قد برز يريد المسير ، فسار معه ، وكان مدّة قتال هفتكين لجوهر على ظاهر الرملة وفي عسقلان سبعة عشر شهرا . وسار العزيز بالله حتّى نزل الرملة ، وكان هفتكين بطبريّة ، فسار إلى لقاء العزيز ومعه أبو إسحاق وأبو طاهر أخو عز الدولة ابن بختيار بن أحمد بن بويه وأبو اللحاد مر زبان « 2 » عز الدولة ابن بختيار بن عز الدولة ابن بويه ، فحاربوه ، فلم يكن غير ساعة حتّى هزمت عساكر العزيز عساكر هفتكين وملكوه في يوم الخميس لسبع بقين من المحرّم سنة ثمان وستّين وثلاثمائة ، واستأمن أبو إسحاق ومرزبان بن بختيار وقتل أبو طاهر أخو عز الدولة ابن بختيار ، وأخذ أكثر أصحابه أسرى ، وطلب هفتكين في القتلى فلم يوجد .
--> ( 1 ) انظر الكامل لابن الأثير 7 / 64 . ( 2 ) في تاريخ اليعقوبي الجزء الأول : المرزبان : رئيس البلد ، وفي الكامل لابن الأثير 7 / 88 : كبير الفلاحين .